الشيخ محمد زاهد الكوثري
45
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
وليس انتقاد بطل الإسلام « 1 » لأناس إلا بعد أن وضع إصبعه المشخّصة على نصوص كلامهم ، فلا يمكن لهم أن ينفلتوا من يده ، حيث يبني ردوده على الحقائق الملموسة - وفي كتابه الخبر اليقين - . والضغينة التي يتخيلها بطل الشذوذ في كلام سماحته ، ما هي إلا بغض في اللّه ، وليس يحوم حول فكره السامي طائر العنصريات والإقليميات وسائر وجوه الجهالات ، التي وضعها المصطفى - صلوات اللّه وسلامه عليه - تحت قدمه الشريفة ، لأن الإسلام لا يعرف عنصرا ولا إقليما ، وإنما يعرف إخاء شاملا على مبادئ سامية ، وهكذا العلم لا يخصّ بلدا ولا قبيلا ، بل هو نور شامل . ولذا تجد سماحته من أبرأ الناس من مثل تلك الجاهلية الجهلاء ، بل يعدّ المبطل مبطلا كائنا من كان ، والباطل باطلا حيثما كان ، وإلا ما تحدّث عن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده بما تحدّث به عنه ، لأنه تركمانيّ الدم - من بني جنسه - كما كان الشيخ نفسه يصرّح بذلك ، ومن شهود هذا التصريح صاحب « المنار » في المجلد الثامن ( ص 379 ) ، ومعالي الوزير الحكيم الشيخ مصطفى عبد الرزاق باشا في مقدمة « العروة الوثقى » . وأما الشيخ محمد عبده فله مميزات معروفة ، وكان نادرة بين شيوخ عصره في الكتابة والإدارة وتصريف الشؤون ، والقيام ببعض ما يعود على المجتمع بخير ، وقد أثنى عليه صديقه اللورد كرومر ، بسعة العلم واستنارة الذهن ، كما أثنى على مريديه بأنهم : « جديرون بكل تشجيع ومساعدة ، يمكن إمدادهم بهما ، لأنهم خلفاء المصلح الأوروبي الطبيعيون » ! وقال عن الشيخ عبده : « كان أحد زعماء الفتنة العرابية ، فلما جئت مصر سنة 1883 كان مغضوبا عليه ، ولكن الخديو توفيق عفا عنه بما فطر عليه من مكارم الأخلاق ، وانقيادا لتشديد الإنكليز عليه في ذلك ، وعيّنه قاضيا ( أهليا ) ، فأحسن العمل وأدّى الأمانة حقّها » . وقال أيضا « إنني قدّمت لمحمد عبده كلّ تنشيط استطعته مدة سنين كثيرة . . . ولسوء الحظ كان على خلاف كبير مع الخديو ، ولم يتمكن من البقاء في منصب الإفتاء ، لولا أنّ الإنكليز أيّدوه بقوة » !
--> ( 1 ) يعني به : سماحة الإمام شيخ الإسلام مصطفى صبري .